الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

438

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

لكن يعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا : « أفضل الصيام بعد رمضان صوم المحرم » « 1 » . والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى ، أخرجه النسائي وأبو داود ، وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال : قلت يا رسول اللّه ، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ؟ قال : « ذاك شهر يغافل الناس عنه بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترتفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم » « 2 » . فبين - صلى اللّه عليه وسلم - وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور بقوله : « إنه شهر يغافل الناس عنه بين رجب ورمضان » يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان : الشهر الحرام وشهر الصيام ، اشتغل الناس بهما ، فصار مغفولا عنه ، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس كذلك . وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد ، منها أن يكون أخفى ، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل ، ولا سيما الصيام فإنه سر بين العبد وربه ، ومنها : أنه أشق على النفوس ، لأن النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال بنى الجنس ، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعتهم سهلت الطاعات ، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس ، فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدى بهم . وقد روى في صيامه - صلى اللّه عليه وسلم - شعبان معنى آخر ، وهو أنه تنسخ فيه الآجال ، فروى - بإسناد فيه ضعيف - عن عائشة قالت : كان أكثر صيام النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في شعبان فقلت : يا رسول اللّه ، أرى أكثر صيامك في شعبان ؟ قال : « إن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت أسماء من يقبض ، فأنا أحب أن لا ينسخ اسمى إلا وأنا صائم » وقد روى مرسلا ، وقيل إنه أصح . وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر : وهو أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان ، فلا يدخل في صيامه على مشقة وكلفة ، بل يكون قد تمرن

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 1161 ) في الصيام ، باب : فضل صوم المحرم ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - ، بلفظ أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللّه المحرم الحديث . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 5 / 201 ) من حديث أسامة بن زيد - رضى اللّه عنهما - .